الرسم العثمانيوَاذْكُرْ فِى الْكِتٰبِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا
الـرسـم الإمـلائـيوَاذۡكُرۡ فِى الۡـكِتٰبِ مَرۡيَمَۘ اِذِ انْتَبَذَتۡ مِنۡ اَهۡلِهَا مَكَانًا شَرۡقِيًّا
تفسير ميسر:
واذكر - أيها الرسول - في هذا القرآن خبر مريم إذ تباعدت عن أهلها، فاتخذت لها مكانًا مما يلي الشرق عنهم.
لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم زوجته ولدا زكيا طاهرا مباركا عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى عليه السلام منها من غير أب فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة ولهذا ذكرهما في آل عمران وههنا وفي سورة الأنبياء يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه وأنه على ما يشاء قادر فقال "واذكر في الكتاب مريم" وهي مريم بنت عمران من سلالة داود عليه السلام وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمها لها في سورة آل عمران وأنها نذرتها محررة أي تخدم مسجد بيت المقدس وكانوا يتقربون بذلك "فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا" ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة فكانت إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة والتبتل والدءوب وكانت في كفالة زوج أختها زكريا نبي بني إسرائيل إذ ذاك وعظيمهم الذي يرجعون إليه في دينهم ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره "كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب" فذكر أنه كان يجد عندها ثمر الشتاء في الصيف وثمر الصيف في الشتاء كما تقدم بيانه في سورة آل عمران فلما أراد الله تعالى وله الحكمة والحجة البالغة أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى عليه السلام أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام "انتبذت من أهلها مكانا شرقيا" أي اعتزلتهم وتنحت عنهم وذهبت إلى شرقي المسجد المقدس قال السدي لحيض أصابها وقيل لغير ذلك قال أبو كدينة عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال; إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه وما صرفهم عنه إلا قول ربك "فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا" قال خرجت مريم مكانا شرقيا فصلوا قبل مطلع الشمس رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقال ابن جرير أيضا; حدثنا إسحاق بن شاهين حدثنا خالد بن عبدالله عن داود عن عامر عن ابن عباس قال; إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة لقول الله تعالى "فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا" واتخذوا ميلاد عيسى قبلة وقال قتادة "مكانا شرقيا" شاسعا متنحيا وقال محمد بن إسحاق ذهبت بقلتها لتستقي الماء وقال نوف البكالي اتخذت لها منزلا تتعبد فيه فالله أعلم.
قوله تعالى ; واذكر في الكتاب مريم القصة إلى آخرها . هذا ابتداء قصة ليست من الأولى . والخطاب لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ أي عرفهم قصتها ليعرفوا كمال قدرتنا . إذ انتبذت أي تنحت وتباعدت . والنبذ الطرح والرمي ؛ قال الله تعالى ; فنبذوه وراء ظهورهم . من أهلها أي ممن كان معها . وإذ بدل من مريم بدل اشتمال ؛ لأن الأحيان مشتملة على ما فيها . والانتباذ الاعتزال والانفراد . واختلف الناس لم انتبذت ؛ فقال السدي ; انتبذت لتطهر من حيض أو نفاس . وقال غيره ; لتعبد الله ؛ وهذا حسن . وذلك أن مريم - عليها السلام - كانت وقفا على سدانة المعبد وخدمته والعبادة فيه ، فتنحت من الناس لذلك ، ودخلت في المسجد إلى جانب المحراب في شرقيه لتخلو للعبادة ، فدخل عليها جبريل - عليه السلام - .فقوله ; مكانا شرقيا أي مكانا من جانب الشرق . والشرق بسكون الراء المكان الذي تشرق فيه الشمس . والشرق بفتح الراء الشمس . وإنما خص المكان بالشرق لأنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ومن حيث تطلع الأنوار ، وكانت الجهات الشرقية من كل شيء أفضل من سواها ؛ حكاه الطبري . وحكي عن ابن عباس أنه قال ; إني لأعلم الناس لم اتخذ النصارى المشرق قبلة لقول الله - عز وجل - ; إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذوا ميلاد عيسى - عليه السلام - قبلة ؛ وقالوا ; لو كان شيء من الأرض خيرا من المشرق لوضعت مريم عيسى - عليه السلام - فيه . واختلف الناس في نبوة مريم ؛ فقيل ; كانت نبية بهذا الإرسال والمحاورة للملك . وقيل ; لم تكن نبية وإنما كلمها مثال بشر ، ورؤيتها للملك كما رئي جبريل في صفة دحية حين سؤاله عن الإيمان والإسلام . والأول أظهر . وقد مضى الكلام في هذا المعنى مستوفى في ( آل عمران ) والحمد لله .
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم; واذكر يا محمد في كتاب الله الذي أنـزله عليك بالحقّ مريم ابنة عمران ، حين اعتزلت من أهلها، وانفردت عنهم، وهو افتعل من النَّبذ، والنَّبذ; الطَّرْح، وقد بيَّنا ذلك بشواهده فيما مضى قبلُ.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك;حدثنا بشر، قال; ثنا يزيد، قال; ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ) أي انفردت من أهلها.حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال; ثنا محمد بن الصَّلْت، قال; ثنا أبو كُدَينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس (إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) قال; خرجت مكانا شرقيا.حدثنا موسى، قال; ثنا عمرو، قال; ثنا أسباط، عن السديّ، قال; خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها، وهو قوله; (6) فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا; في شرقيّ المحراب.وقوله (مَكَانًا شَرْقِيًّا) يقول; فتنحت واعتزلت من أهلها في موضع قِبَلَ مَشرق الشمس دون مَغربها.كما حدثنا الحسن، قال; أخبرنا عبد الرزاق، قال; أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله (مَكَانًا شَرْقِيًّا) قال; من قِبَل المشرق.حدثني إسحاق بن شاهين، قال; ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، عن ابن عباس، قال; إني لأعلم خلق الله لأيّ شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة لقول الله; فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا، فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة.حدثنا ابن المثنى، قال; ثني عبد الأعلى، قال; ثنا داود، عن عامر، عن ابن عباس، مثله.حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال; أخبرنا محمد بن الصَّلْت، قال; ثنا أبو كُدَينة، عن قابوس، عن أبيه ، عن ابن عباس، قال; إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت، والحج لله، وما صرفهم عنهما إلا تأويل ربك (إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) فصلوا قبل مطلع الشمس.حدثنا بشر، قال ; ثنا يزيد، قال; ثنا سعيد، عن قتادة (إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) قال; شاسعا متنحيا.وقيل; إنها إنما صارت بمكان يلي مشرق الشمس، لأن ما يلي المشرق عندهم كان خيرا مما يلي المغرب ، وكذلك ذلك فيما ذُكر عند العرب.----------------------الهوامش ;(6) كذا هنا ، وفي موضوعين بعد ; فانتبذت ، والقراءة ; إذ انتبذت .
لما ذكر قصة زكريا ويحيى، وكانت من الآيات العجيبة، انتقل منها إلى ما هو أعجب منها، تدريجا من الأدنى إلى الأعلى فقال: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ ْ} الكريم { مَرْيَمَ ْ} عليها السلام، وهذا من أعظم فضائلها، أن تذكر في الكتاب العظيم، الذي يتلوه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، تذكر فيه بأحسن الذكر، وأفضل الثناء، جزاء لعملها الفاضل، وسعيها الكامل، أي: واذكر في الكتاب مريم، في حالها الحسنة، حين { انْتَبَذَتْ ْ} أي: تباعدت عن أهلها { مَكَانًا شَرْقِيًّا ْ} أي: مما يلي الشرق عنهم.
(الواو) استئنافيّة
(في الكتاب) متعلّق بـ (اذكر) ،
(إذ) اسم ظرفيّ في محلّ نصب بدل اشتمال من مريم أو من محذوف هو مضاف أي خبر مريم
(من أهلها) متعلّق بـ (انتبذت) ،
(مكانا) مفعول به منصوب عامله انتبذت .جملة: «اذكر ... » لا محلّ لها استئنافيّة وجملة: «انتبذت ... » في محلّ جرّ مضاف إليه 17-
(الفاء) عاطفة
(من دونهم) متعلّق بمفعول به ثان ،
(الفاء) عاطفة
(إليها) متعلّق بـ (أرسلنا) ،
(الفاء) عاطفة
(لها) متعلّق بـ (تمثّل) ،
(بشرا) حال منصوبة ،
(سويّا) نعت لـ (بشرا) منصوب.
وجملة: «اتّخذت ... » في محلّ جرّ معطوفة على جملة انتبذت..
وجملة: «أرسلنا ... » في محلّ جرّ معطوفة على جملة اتّخذت.
وجملة: «تمثّل ... » في محلّ جرّ معطوفة على جملة أرسلنا.
- القرآن الكريم - مريم١٩ :١٦
Maryam19:16