الرسم العثمانيلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتٰبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ
الـرسـم الإمـلائـيلَـقَدۡ اَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِالۡبَيِّنٰتِ وَاَنۡزَلۡنَا مَعَهُمُ الۡكِتٰبَ وَالۡمِيۡزَانَ لِيَقُوۡمَ النَّاسُ بِالۡقِسۡطِۚ وَاَنۡزَلۡنَا الۡحَـدِيۡدَ فِيۡهِ بَاۡسٌ شَدِيۡدٌ وَّمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَـعۡلَمَ اللّٰهُ مَنۡ يَّنۡصُرُهٗ وَ رُسُلَهٗ بِالۡغَيۡبِ ؕ اِنَّ اللّٰهَ قَوِىٌّ عَزِيۡزٌ
تفسير ميسر:
لقد أرسلنا رسلنا بالحجج الواضحات، وأنزلنا معهم الكتاب بالأحكام والشرائع، وأنزلنا الميزان؛ ليتعامل الناس بينهم بالعدل، وأنزلنا لهم الحديد، فيه قوة شديدة، ومنافع للناس متعددة، وليعلم الله علمًا ظاهرًا للخلق من ينصر دينه ورسله بالغيب. إن الله قوي لا يُقْهَر، عزيز لا يغالَب.
يقول تعالى "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات" أي بالمعجزات والحجج الباهرات والدلائل القاطعات "وأنزلنا معهم الكتاب" وهو النقل الصدق "والميزان" وهو العدل قاله مجاهد وقتادة وغيرهما وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة كما قال تعالى "أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه" وقال تعالى "فطرة الله التى فطر الناس عليها" وقال تعالى "والسماء رفعها ووضع الميزان" ولهذا قال في هذه الآية "ليقوم الناس بالقسط " أي بالحق والعدل وهو اتباع الرسل فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا به فإن الذي جاؤوا به هو الحق الذي ليس وراءه حق كما قال "وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا" أي صدقا في الإخبار وعدلا في الأوامر والنواهي ولهذا يقول المؤمنون إذا تبؤوا غرف الجنات والمنازل العاليات والسرر المصفوفات "الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق" وقوله تعالى "وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد" أي وجعلنا الحديد رادعا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه ولهذا أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية وكلها جدال مع المشركين وبيان وإيضاح للتوحيد وبينات ودلالات فلما قامت الحجة على من خالف شرع الله الهجرة وأمرهم بالقتال بالسيوف وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن وكذب به وعانده. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطية عن أبي المنيب الجرشي الشامي عن ابن عمر قال; قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم" ولهذا قال تعالى "فيه بأس شديد" يعني السلاح كالسيوف والحراب والسنان والنصال والدروع ونحوها "ومنافع للناس" أي في معايشهم كالسكة والفأس والقدوم والمنشار والأزميل والمجرفة والآلات التي يستعان بها في الحراثة والحياكة والطبخ والخبز وما لا قوام للناس بدونه وغير ذلك. قال علباء بن أحمد عن عكرمة أن ابن عباس قال; ثلاثة أشياء نزلت مع آدم السندان والكلبتان والميقعة يعني المطرقة. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وقوله تعالى "وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب" أي من نيته في حمل السلاح نصرة الله ورسوله "إن الله قوي عزيز" أي هو قوي عزيز ينصر من نصره من غير احتياج منه إلى الناس وإنما شرع الجهاد ليبلو بعضكم ببعض.
قوله تعالى ; لقد أرسلنا رسلنا بالبينات أي ; بالمعجزات البينة ، والشرائع الظاهرة . وقيل ; الإخلاص لله تعالى في العبادة ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، بذلك دعت الرسل ; نوح فمن دونه إلى محمد صلى الله عليه وسلم .وأنزلنا معهم الكتاب أي ; الكتب ، أي ; أوحينا إليهم خبر ما كان قبلهم والميزان قال ابن زيد ; هو ما يوزن به ويتعامل ليقوم الناس بالقسط أي ; بالعدل في معاملاتهم . وقوله ; بالقسط يدل على أنه أراد الميزان المعروف وقال قوم ; أراد به العدل . قال القشيري ; وإذا حملناه على الميزان المعروف ، فالمعنى أنزلنا الكتاب ووضعنا الميزان فهو من باب ;علفتها تبنا وماء بارداويدل على هذا قوله تعالى ; والسماء رفعها ووضع الميزان ثم قال وأقيموا [ ص; 235 ] الوزن بالقسط وقد مضى القول فيه . وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد روى عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ; إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض ; الحديد ، والنار ، والماء ، والملح . وروى عكرمة عن ابن عباس قال ; ثلاثة أشياء نزلت مع آدم عليه السلام ; الحجر الأسود وكان أشد بياضا من الثلج ، وعصا موسى وكانت من آس الجنة ، طولها عشرة أذرع مع طول موسى ، والحديد أنزل معه ثلاثة أشياء ; السندان ، والكلبتان ، والميقعة وهي المطرقة ، ذكره الماوردي . وقال الثعلبي ; قال ابن عباس نزل آدم من الجنة ومعه من الحديد خمسة أشياء من آلة الحدادين ; السندان ، والكلبتان ، والميقعة ، والمطرقة ، والإبرة . وحكاه القشيري قال ; والميقعة ما يحدد به ، يقال ; وقعت الحديدة أقعها أي ; حددتها . وفي الصحاح ; والميقعة الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه ، وخشبة القصار التي يدق عليها ، والمطرقة والمسن الطويل . وروي أن الحديد أنزل في يوم الثلاثاء .فيه بأس شديد أي ; لإهراق الدماء . ولذلك نهى عن الفصد والحجامة في يوم الثلاثاء ; لأنه يوم جرى فيه الدم . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ; في يوم الثلاثاء ساعة لا يرقأ فيها الدم . وقيل ; أنزلنا الحديد أي ; أنشأناه وخلقناه ، كقوله تعالى ; وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج وهذا قول الحسن . فيكون من الأرض غير منزل من السماء . وقال أهل المعاني ; أي ; أخرج الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه . فيه بأس شديد يعني السلاح والكراع والجنة . وقيل ; أي ; فيه من خشية القتل خوف شديد .ومنافع للناس قال مجاهد ; يعني جنة . وقيل ; يعني انتفاع الناس بالماعون من الحديد ، مثل السكين والفأس والإبرة ونحوه .وليعلم الله من ينصره أي ; أنزل الحديد ليعلم من ينصره . وقيل ; هو عطف على قوله تعالى ; ليقوم الناس بالقسط أي ; أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم الكتاب ، وهذه الأشياء ، ليتعامل الناس بالحق ، وليعلم الله من ينصره وليرى الله من ينصر دينه وينصر رسله بالغيب قال ابن عباس ; ينصرونهم لا يكذبونهم ، ويؤمنون بهم بالغيب أي ; وهم لا يرونهم . إن الله قوي عزيز قوي في أخذه عزيز أي ; منيع غالب . وقد تقدم . وقيل ; بالغيب بالإخلاص .
يقول تعالى ذكره; لقد أرسلنا رسلنا بالمفصَّلات من البيان والدلائل، وأنـزلنا معهم الكتاب بالأحكام والشرائع، والميزان بالعدل.كما حدثنا ابن عبد الأعلى، قال; ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ ) قال; الميزان; العدل.حدثني يونس، قال; أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله; (وَأَنـزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ ) بالحق (1) ؛ قال; الميزان; ما يعمل الناس، ويتعاطون عليه في الدنيا من معايشهم التي يأخذون ويعطون، يأخذون بميزان، ويعطون بميزان، يعرف ما يأخذ وما يعطي. قال; والكتاب فيه دين الناس الذي يعملون ويتركون، فالكتاب للآخرة، والميزان للدنيا.وقوله; (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) يقول تعالى ذكره; ليعمل الناس بينهم بالعدل.وقوله; (وَأَنـزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) يقول تعالى ذكره; وأنـزلنا لهم الحديد فيه بأس شديد، يقول; فيه قوّة شديدة، ومنافع للناس، وذلك ما ينتفعون به منه عند لقائهم العدوّ، وغير ذلك من منافعه.وقد حدثنا ابن حُميد، قال; ثنا يحيى بن واضح، قال; ثنا الحسين، عن علباء بن أحمر، عن عكرِمة عن ابن عباس، قال; ثلاثة أشياء نـزلت مع آدم صلوات الله عليه; السندان والكلبتان، والميقعة، والمطرقة.حدثني يونس، قال; أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله; (وَأَنـزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) قال; البأس الشديد; السيوف والسلاح الذي يقاتل الناس بها، (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) بعد، يحفرون بها الأرض والجبال وغير ذلك.حدثنا محمد بن عمرو، قال; ثنا أبو عاصم، قال; ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال; ثنا الحسن، قال; ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد; قوله; (وَأَنـزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) وجنُة وسلاح، وأنـزله ليعلم الله من ينصره.وقوله; (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ) يقول تعالى ذكره; أرسلنا رسلنا إلى خلقنا وأنـزلنا معهم هذه الأشياء ليعدلوا بينهم، وليعلم حزب الله من ينصر دين الله ورسله بالغيب منه عنهم.وقوله; (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) يقول تعالى ذكره; إن الله قويّ على الانتصار ممن بارزه بالمعاداة، وخالف أمره ونهيه، عزيز في انتقامه منهم، لا يقدر أحد على الانتصار منه مما أحلّ به من العقوبة.------------------------الهوامش;(1) لعله والميزان، والميزان بالحق
يقول تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ } وهي الأدلة والشواهد والعلامات الدالة على صدق ما جاءوا به وحقيته.{ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ } وهو اسم جنس يشمل سائر الكتب التي أنزلها الله لهداية الخلق وإرشادهم، إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، { وَالْمِيزَانَ } وهو العدل في الأقوال والأفعال، والدين الذي جاءت به الرسل، كله عدل وقسط في الأوامر والنواهي وفي معاملات الخلق، وفي الجنايات والقصاص والحدود [والمواريث وغير ذلك]، وذلك { لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } قياما بدين الله، وتحصيلا لمصالحهم التي لا يمكن حصرها وعدها، وهذا دليل على أن الرسل متفقون في قاعدة الشرع، وهو القيام بالقسط، وإن اختلفت أنواع العدل، بحسب الأزمنة والأحوال، { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } من آلات الحرب، كالسلاح والدروع وغير ذلك.{ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } وهو ما يشاهد من نفعه في أنواع الصناعات والحرف، والأواني وآلات الحرث، حتى إنه قل أن يوجد شيء إلا وهو يحتاج إلى الحديد.{ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ } أي: ليقيم تعالى سوق الامتحان بما أنزله من الكتاب والحديد، فيتبين من ينصره وينصر رسله في حال الغيب، التي ينفع فيها الإيمان قبل الشهادة، التي لا فائدة بوجود الإيمان فيها، لأنه حينئذ يكون ضروريا.{ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } أي: لا يعجزه شيء، ولا يفوته هارب، ومن قوته وعزته أن أنزل الحديد الذي منه الآلات القوية، ومن قوته وعزته أنه قادر على الانتصار من أعدائه، ولكنه يبتلي أولياءه بأعدائه، ليعلم من ينصره بالغيب، وقرن تعالى في هذا الموضع بين الكتاب والحديد، لأن بهذين الأمرين ينصر الله دينه، ويعلي كلمته بالكتاب الذي فيه الحجة والبرهان والسيف الناصر بإذن الله، وكلاهما قيامه بالعدل والقسط، الذي يستدل به على حكمة الباري وكماله، وكمال شريعته التي شرعها على ألسنة رسله.
(اللام) لام القسم لقسم مقدّر
(قد) حرف تحقيق
(بالبيّنات) متعلّق بحال من المفعول أو من الفاعلـ (الواو) عاطفة في المواضع الآتية
(معهم) ظرف منصوب متعلّق بحال من الكتاب أي محمولا معهم
(اللام) للتعليلـ (يقوم) مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام
(بالقسط) متعلّق بـ (يقوم) بتضمينه معنى يتعاملون ...والمصدر المؤوّلـ (أن يقوم ... ) في محلّ جرّ باللام متعلّق بـ (أنزلنا، أرسلنا)
(فيه) متعلّق بخبر مقدّم للمبتدأ
(بأس) ،
(للناس) متعلّق بـ (منافع) ،
(ليعلم) مثل ليقوم
(رسله) معطوف على ضمير الغائب في(ينصره) ،
(بالغيب) متعلّق بحال من الضمير في ينصره..
جملة: «أرسلنا ... » لا محلّ لها جواب القسم المقدّر ... وجملة القسم المقدّرة استئنافيّة وجملة: «أنزلنا» لا محلّ لها معطوفة على جواب القسم وجملة: «يقوم الناس ... » لا محلّ لها صلة الموصول الحرفيّ
(أن) المضمر وجملة: «أنزلنا
(الثانية) » لا محلّ لها معطوفة على جملة أنزلنا
(الأولى) وجملة: «فيه بأس ... » في محلّ نصب حال من الحديد وجملة: «يعلم الله ... » لا محلّ لها صلة الموصول الحرفيّ
(أن) المضمر الثانيوالمصدر المؤوّلـ (أن يعلم ... ) في محلّ جرّ باللام متعلّق بـ (أنزلنا الحديد) ، وهو معطوف على مصدر مقدّر أي ليستعملوه وليعلم ...وجملة: «ينصره ... » لا محلّ لها صلة الموصولـ (من) وجملة: «إنّ الله قوي ... » لا محلّ لها استئنافيّة
- القرآن الكريم - الحديد٥٧ :٢٥
Al-Hadid57:25