الرسم العثمانيلَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ
الـرسـم الإمـلائـيلَا تُحَرِّكۡ بِهٖ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهٖؕ
تفسير ميسر:
لا تحرك -أيها النبي- بالقرآن لسانك حين نزول الوحي؛ لأجل أن تتعجل بحفظه، مخافة أن يتفلَّت منك. إن علينا جَمْعه في صدرك، ثم أن تقرأه بلسانك متى شئت. فإذا قرأه عليك رسولنا جبريل فاستمِعْ لقراءته وأنصت له، ثم اقرأه كما أقرأك إياه، ثم إن علينا توضيح ما أشكل عليك فهمه من معانيه وأحكامه.
هذا تعليم من الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في كيفية تلقيه الوحي من الملك فإنه كان يبادر إلى أخذه ويسابق الملك في قراءته فأمره الله عز وجل إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له وتكفل الله له أن يجمعه في صدره وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه وأن يبينه له ويفسره ويوضحه فالحالة الأولى جمعه في صدره والثانية تلاوته والثالثة تفسيره وإيضاح معناه ولهذا قال تعالى "لا تحرك به لسانك لتعجل به" أي بالقرآن كما قال تعالى "ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما".
قوله تعالى ; لا تحرك به لسانك لتعجل به في الترمذي ; عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ; كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عليه القرآن يحرك به لسانه ، يريد أن يحفظه ، فأنزل الله تبارك وتعالى ; لا تحرك به لسانك لتعجل به قال ; فكان يحرك به شفتيه . وحرك سفيان شفتيه .قال أبو عيسى ; هذا حديث حسن صحيح . ولفظ مسلم عن ابن جبير عن ابن عباس قال ; كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعالج من التنزيل شدة ، كان يحرك شفتيه ، فقال لي ابن عباس ; أنا أحركهما كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحركهما ; فقال سعيد ; أنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما ، فحرك شفتيه ; فأنزل الله - عز وجل - ; لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه قال " جمعه " في صدرك ثم تقرؤه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه قال فاستمع له وأنصت . ثم إن علينا أن نقرأه ; قال ; فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك إذا أتاه جبريل عليهما السلام استمع ، وإذا انطلق جبريل - عليه السلام - قرأه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قرأه ; خرجه البخاري أيضا .ونظير هذه الآية قوله تعالى ; ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقد تقدم . وقال عامر الشعبي ; إنما كان يعجل بذكره إذا نزل عليه من حبه له ، وحلاوته في لسانه ، فنهي عن ذلك حتى يجتمع ; لأن بعضه مرتبط ببعض ، وقيل ; كان - عليه السلام - إذا نزل عليه الوحي حرك لسانه مع الوحي مخافة أن ينساه ، فنزلت ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ونزل ; سنقرئك فلا تنس ونزل ; لا تحرك به لسانك قاله ابن عباس ; وقرآنه أي وقراءته عليك . والقراءة والقرآن في قول الفراء مصدران . وقال قتادة ; فاتبع قرآنه أي فاتبع شرائعه وأحكامه .
وقوله; ( وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) اختلف أهل الرواية في معنى ذلك، فقال بعضهم; معناه; بل للإنسان على نفسه شهود من نفسه، ولو اعتذر بالقول مما قد أتى من المآثم، وركب من المعاصي، وجادل بالباطل.* ذكر من قال ذلك;حدثني محمد بن سعد، قال; ثني أبي، قال; ثني عمي، قال; ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس; ( وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) يعني الاعتذار، ألم تسمع أنه قال; لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وقال الله; وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ، مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ (13) . وقولهم; وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ .حدثنا ابن بشار، قال; ثنا أبو أحمد، قال; ثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جُبير، في قولة; ( بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) قال; شاهد على نفسه ولو اعتذر.حدثني محمد بن عمرو، قال; ثنا أبو عاصم، قال; ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال; ثنا الحسن، قال; ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله; ( عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) ولو جادل عنها، فهو بصيرة عليها.حدثني يعقوب، قال; ثنا ابن علية، عن عمران بن حدير، قال; سألت عكرِمة، عن قوله; ( بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) قال; فسكت، فقلت له; إن الحسن يقول; ابن آدم عملك أولى بك، قال; صدق.حدثني يونس، قال; أخبرنا ابن وهب، قال; قال ابن زيد، في قوله; ( وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) قال; معاذيرهم التي يعتذرون بها يوم القيامة فلا ينتفعون بها، قال; وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ويوم يؤذن لهم فيعتذرون فلا تنفعهم ويعتذرون بالكذب.وقال آخرون; بل معنى ذلك; بل للإنسان على نفسه من نفسه بصيرة ولو تجرّد.* ذكر من قال ذلك;حدثني نصر بن عليّ الجهضمي، قال; ثني أبي، عن خالد بن قيس، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن ابن عباس، في قوله; ( وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) قال; لو تجرّد.وقال آخرون; بل معنى ذلك; ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب.* ذكر من قال ذلك;حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال; ثنا رَوّاد، عن أبي حمزة، عن السديّ في قوله; ( وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) ولو أرخى الستور، وأغلق الأبواب.وقال آخرون; بل معنى ذلك; ( وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) لم تقبل.* ذكر من قال ذلك;حدثنا نصر بن عليّ، قال; ثني أ بي، عن خالد بن قيس، عن قتادة، عن الحسن; ( وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) لم تُقبل معاذيره.حدثنا بشر، قال; ثنا يزيد، قال; ثنا سعيد، عن قتادة، قوله; ( وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) قال; ولو اعتذر.وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال; معناه; ولو اعتذر لأن ذلك أشبه المعاني بظاهر التنـزيل، وذلك أن الله جلّ ثناؤه أخبر عن الإنسان أن عليه شاهدًا من نفسه بقوله; ( بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) فكان الذي هو أولى أن يتبع ذلك، ولو جادل عنها بالباطل، واعتذر بغير الحقّ، فشهادة نفسه عليه به أحقّ وأولى من اعتذاره بالباطل.----------------الهوامش ;(13) في سورة النحل; { فألقوا السلم ما كنا ... } إلخ. وفي آية أخرى منها; { وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ... } الآية.
كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه جبريل بالوحي، وشرع في تلاوته عليه، بادره النبي صلى الله عليه وسلم من الحرص قبل أن يفرغ، وتلاه مع تلاوة جبريل إياه، فنهاه الله عن هذا، وقال: { وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ } وقال هنا: { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } ثم ضمن له تعالى أنه لا بد أن يحفظه ويقرأه، ويجمعه الله في صدره،
(لا) ناهية جازمة
(به) متعلّق بـ (تحرّك) ،
(اللام) للتعليلـ (تعجل) مضارع منصوب بأن مضمرة.
والمصدر المؤوّلـ (أن تعجل) في محلّ جرّ باللام متعلّق بـ (تحرّك) .
(به) الثاني متعلّق بـ (تعجل) ،
(علينا) متعلّق بمحذوف خبر إنّ
(الفاء) عاطفة، والثانية رابطة للجواب.
جملة: «لا تحرّك ... » لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: «تعجل ... » لا محلّ لها صلة الموصول الحرفيّ
(أن) المضمر.
وجملة: «إنّ علينا جمعه ... » لا محلّ لها تعليل للنهي.
وجملة: «قرأناه ... » في محلّ جرّ مضاف إليه.
وجملة: «اتّبع ... » لا محلّ لها جواب شرط غير جازم.
19-
(ثمّ) حرف عطف
(علينا) متعلّق بخبر إنّ الثاني
(بيانه) اسم إنّ منصوب..وجملة: «إنّ علينا بيانه» لا محلّ لها معطوفة على التعليليّة.
- القرآن الكريم - القيامة٧٥ :١٦
Al-Qiyamah75:16