الرسم العثمانيقُلْ إِنَّنِى هَدٰىنِى رَبِّىٓ إِلٰى صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الـرسـم الإمـلائـيقُلۡ اِنَّنِىۡ هَدٰٮنِىۡ رَبِّىۡۤ اِلٰى صِرَاطٍ مُّسۡتَقِيۡمٍۚ دِيۡنًا قِيَمًا مِّلَّةَ اِبۡرٰهِيۡمَ حَنِيۡفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الۡمُشۡرِكِيۡنَ
تفسير ميسر:
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين; إنني أرشدني ربي إلى الطريق القويم الموصل إلى جنته، وهو دين الإسلام القائم بأمر الدنيا والآخرة، وهو دين التوحيد دين إبراهيم عليه السلام، وما كان إبراهيم عليه السلام من المشركين مع الله غيره.
يقول تعالى آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين أن يخبر بما أنعم به عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف "دينا قيما" أي قائما ثابتا "ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين" كقوله "ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه" وقوله "وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم" وقوله "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين" وليس يلزم من كونه صلى الله عليه وسلم أمر باتباع ملة إبراهيم الحنيفية أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها لأنه عليه السلام قام بها قياما عظيما وأكملت له إكمالا تاما لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال ولهذا كان خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم على الإطلاق وصاحب المقام المحمود الذي يرغب إليه الخلق حتى الخليل عليه السلام وقد قال ابن مردوية حدثنا محمد بن عبد الله بن حفص حدثنا أحمد بن عصام حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة أنبأنا سلمة بن كهيل سمعت ذر بن عبد الله الهمداني يحدث عن ابن أبزى عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح قال أصبحنا على ملة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد أخبرنا محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال; قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أى الأديان أحب إلى الله تعالى ؟ قال الحنيفية السمحة وقال أحمد أيضا حدثنا سليمان بن داود حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت; وضع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ذقني على منكبه لأنظر إلى زفن الحبشة حتى كنت التي مللت فانصرفت عنه. قال عبد الرحمن عن أبيه قال; قال لي عروة إن عائشة قالت; قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ لتعلم يهود أن فى ديننا فسحة إني أرسلت بحنيفة سمحة أصل الحديث مخرج في الصحيحين والزيادة لها شواهد من طرق عدة وقد استقصيت طرقها في شرح البخاري ولله الحمد والمنة.
قوله تعالى قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركينقوله تعالى قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم لما بين تعالى أن الكفار تفرقوا بين أن الله هداه إلى الدين المستقيم وهو دين إبراهيمدينا نصب على الحال ; عن قطرب . وقيل ; نصب ب هداني عن الأخفش . قال غيره ; انتصب حملا على المعنى [ ص; 138 ] لأن معنى هداني عرفني دينا . ويجوز أن يكون بدلا من الصراط ، أي هداني صراطا مستقيما دينا . وقيل ; منصوب بإضمار فعل ; فكأنه قال ; اتبعوا دينا ، واعرفوا دينا .قيما قرأه الكوفيون وابن عامر بكسر القاف والتخفيف وفتح الياء ، مصدر كالشبع فوصف به . والباقون بفتح القاف وكسر الياء وشدها ، وهما لغتان . وأصل الياء الواو " قيوم " ثم أدغمت الواو في الياء كميت .ومعناه دينا مستقيما لا عوج فيه .ملة إبراهيم بدل حنيفا قال الزجاج ; هو حال من إبراهيم . وقال علي بن سليمان ; هو نصب بإضمار ; أعني .
القول في تأويل قوله ; قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161)قال أبو جعفر; يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم; (قل)، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنامَ =(إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم)، يقول; قل لهم إنني أرشدني ربي إلى الطريق القويم, هو دين الله الذي ابتعثه به, وذلك الحنيفية المسلمة, فوفقني له (74) =(دينًا قيمًا)، يقول; مستقيمًا =(ملة إبراهيم)، يقول; دين إبراهيم (75) =(حنيفًا) يقول; مستقيمًا =(وما كان من المشركين)، يقول; وما كان من المشركين بالله, يعني إبراهيم صلوات الله عليه, لأنه لم يكن ممن يعبد الأصنام .* * *واختلفت القرأة في قراءة قوله; (دينًا قيمًا).فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض البصريين; " دِينًا قَيِّمًا " بفتح " القاف " وتشديد " الياء "، إلحاقًا منهم ذلك بقول الله; ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [سورة التوبة; 36 / سورة يوسف; 40 / سورة الروم; 30]. وبقوله; وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [سورة البينة; 5].* * *وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين; ( دِينًا قِيَمًا ) بكسر " القاف " وفتح " الياء " وتخفيفها. وقالوا; " القيِّم " و " القِيَم " بمعنى واحد, وهم لغتان معناهما; الدين المستقيم .* * *قال أبو جعفر; والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار, متفقتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فهو للصواب مصيبٌ, غير أن فتح " القاف " وتشديد " الياء " أعجب إليّ, لأنه أفصح اللغتين وأشهرهما .* * *ونصب قوله; (دينًا) على المصدر من معنى قوله; (إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم)، وذلك أن المعنى; هداني ربي إلى دين قويم, فاهتديت له " دينا قيما "= فالدين منصوب من المحذوف الذي هو " اهتديت "، الذي ناب عنه قوله; (إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم) .* * *وقال بعض نحويي البصرة; إنما نصب ذلك، لأنه لما قال; (هداني ربي إلى صراط مستقيم)، قد أخبر أنه عرف شيئًا, فقال; " دينًا قيمًا "، كأنه قال; عرفت دينًا قيما ملّة إبراهيم .* * *وأما معنى الحنيف, فقد بينته في مكانه في" سورة البقرة " بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . (76)--------------------الهوامش ;(74) انظر تفسير (( الهدى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) . = وتفسير (( صراط مستقيم )) فيما سلف ص ; 288 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك .(75) انظر تفسير (( الملة )) فيما سلف 2 ; 563 / 3 ; 104 / 9 ; 250 .(76) انظر تفسير (( الحنيف )) فيما سلف 3 ; 104 - 108 / 6 ; 494 / 9 ; 250 ، 251 / 11 ; 487 .
يأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يقول ويعلن بما هو عليه من الهداية إلى الصراط المستقيم: الدين المعتدل المتضمن للعقائد النافعة، والأعمال الصالحة، والأمر بكل حسن، والنهي عن كل قبيح، الذي عليه الأنبياء والمرسلون، خصوصا إمام الحنفاء، ووالد من بعث من بعد موته من الأنبياء، خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو الدين الحنيف المائل عن كل دين غير مستقيم، من أديان أهل الانحراف، كاليهود والنصارى والمشركين.
(قل) فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت
(إنّ) حرف مشبه بالفعل- ناسخ- و (النون) للوقاية و (الياء) ضمير في محلّ نصب اسم إن
(هدى) فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف و (النون) للوقاية و (الياء) ضمير مفعول به
(ربّ) فاعل مرفوع وعلامة الرفع الضمة المقدرة على ما قبل الياء و (الياء) ضمير مضاف إليه
(إلى صراط) جار ومجرور متعلق بـ (هداني) ،
(مستقيم) نعت لصراط مجرور
(دينا) مفعول به لفعل محذوف تقديره عرّفني ،
(قيما) نعت لـ (دينا) منصوبـ (ملّة) بدل من(دينا) منصوبـ (إبراهيم) مضاف إليه مجرور وعلامة الجر الفتحة
(حنيفا) حال منصوبة من إبراهيم ،
(الواو) عاطفة
(ما) حرف نفي(كان) فعل ماض ناقص- ناسخ- واسمه ضمير مستتر تقديره هو (من المشركين) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر كان، وعلامة الجر الياء.
جملة «قل ... » لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة «إنني هداني ... » في محلّ نصب مقول القول.
وجملة «هداني ربّي» في محلّ رفع خبر إن.
وجملة «ما كان من المشركين» في محلّ نصب معطوفة على لفظ الحالـ (حنيفا) .
- القرآن الكريم - الأنعام٦ :١٦١
Al-An'am6:161